ابن قيم الجوزية
277
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
أبنية التذكر قال صاحب المنازل : « أبنية التذكر ثلاثة : الانتفاع بالعظة . والاستبصار بالعبرة . والظفر بثمرة الفكرة » . الانتفاع بالعظة : هو أن يقدح في القلب قادح الخوف والرجاء . فيتحرك للعمل ، طلبا للخلاص من الخوف ، ورغبة في حصول المرجوّ . و « العظة » هي الأمر والنهي ، المقرون بالترغيب والترهيب . و « العظة » نوعان : عظة بالمسموع ، وعظة بالمشهود . فالعظة بالمسموع : الانتفاع بما يسمعه من الهدى والرشد ، والنصائح التي جاءت على لسان الرسل وما أوحي إليهم . وكذلك الانتفاع بالعظة من كل ناصح ومرشد في مصالح الدين والدنيا . و « العظة » بالمشهود : الانتفاع بما يراه ويشهده في العالم من مواقع العبر ، وأحكام القدر ، ومجاريه . وما يشاهده من آيات اللّه الدالة على صدق رسله . وأما استبصار العبرة : فهو زيادة البصيرة عما كانت عليه في منزل التفكر بقوة الاستحضار . لأن التذكر يعتقل المعاني التي حصلت بالتفكر في مواقع الآيات والعبر . فهو يظفر بها بالتفكر . وتنصقل له وتنجلي بالتذكر . فيقوى العزم على السير بحسب قوة الاستبصار . لأنه يوجب تحديد النظر فيما يحرك المطلب إذ الطلب فرع الشعور . فكلما قوي الشعور بالمحبوب اشتد سفر القلب إليه . وكلما اشتغل الفكر به ازداد الشعور به والبصيرة فيه . والتذكر له . وأما الظفر بثمرة الفكرة : فهذا موضع لطيف . وللفكرة ثمرتان : حصول المطلوب تاما بحسب الإمكان ، والعمل بموجبه رعاية لحقه . فإن القلب حال التفكر كان قد كلّ بأعماله في تحصيل المطلوب . فلما حصلت له المعاني وتخمرت في القلب ، واستراح العقل : عاد فتذكر ما كان حصّله وطالعه . فابتهج به وفرح به . وصحح في هذا المنزل ما كان فاته في منزل التفكر . لأنه قد أشرف عليه في مقام التذكر ، الذي هو أعلى منه . فأخذ حينئذ في الثمرة المقصودة . وهي العمل بموجبه مراعاة لحقه . فإن العمل الصالح : هو ثمرة العلم النافع ، الذي هو ثمرة التفكر . وإذا أردت فهم هذا بمثال حسي . فطالب المال ما دام جادا في طلبه ، فهو في كلال وتعب . حتى إذا ظفر به استراح من كدّ الطلب . وقدم من سفر التجارة . فطالع ما حصله وأبصره . وصحح في هذا الحال ما عساه غلط فيه في حال اشتغاله بالطلب . فإذا صح له وبردت غنيمته له ، أخذ في صرف المال في وجوه الانتفاع المطلوبة منه . واللّه أعلم . تفسير الحكمة والموعظة الحسنة قال « وإنما ينتفع بالعظة بعد حصول ثلاثة أشياء : شدة الافتقار إليها . والعمى عن عيب الواعظ . وتذكر الوعد والوعيد » . إنما يشتد افتقار العبد إلى العظة - وهي الترغيب والترهيب - إذا ضعفت إنابته وتذكره ، وإلا